أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
70
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
القصّة هي أنّ شخصاً كان يدرس القوانين في بلد من بلاد إيران . في يوم من الأيّام جاء تلامذته في الوقت المقرّر فحدّثوه عن أسباب المأساة القاتلة التي تساقط فيها مئات من المؤمنين في مفارز البلد الطيّب خراسان صرعى بأيدي الطغاة في قضيّة خراسان المعروفة ، كان الأستاذ يستمع إلى الحديث استماعاً سلبيّاً هادئاً حتّى إذا انتهى التلامذة من حديثهم حول المأساة بادرهم قائلًا : أين انتهينا في البحث عن الحقيقة الشرعيّة ؟ ! دون أن يعلّق ودون أن يواكب هؤلاء التلامذة في انفعالاتهم إلّا قراءة بحث الحقيقة الشرعيّة في كتاب القوانين . إنّ الاتّجاه الذي يمثّله هذا الأستاذ في القوانين هو الاتّجاه الأوّل الذي يحاول أن يخصّص الفقيهُ العلم ويجرّده للبحث النظري ويقطع صلته بواقع الحياة الخارجيّة لأنّها خارج نطاق عمله . وأمّا أصحاب الاتّجاه الثاني فيقولون : إنّ العلم والتوغّل في طريقه السائد والتعمّق في أساليبه ليس إلّا لوناً من ألوان الترف الفكري والتسلية العقليّة في وقت نحن نعيش فيه محنة الوجود الإسلامي الذي تعصف به تيّارات الحضارات الكافرة من كلّ صوب وحدب ، إنّ الأمّة مريضة وهي بحاجة إلى إسعاف لا إلى تفلسف ، وأيّ إنسان عاقل إذا أحسّ بخطورة في مرض الشخص الذي ينتمي إليه ويتفاعل معه فإنّه سوف يبادر إلى أساليب الإسعاف العمليّة فوراً ولا يتشاغل بدلًا عن ذلك في حلّ ألغاز كتاب الشفاء أو القانون للشيخ الرئيس أبو علي سينا في الفلسفة أو الطبّ . هذان الاتّجاهان كلاهما [ منحرف ] وكلاهما خطأ ، لأنّ أحدهما يركّز على النظريّة ويهمل التطبيق رأساً ، والآخر يحاول ممارسة التطبيق بدون مشعل ، بدون النظريّة التي تنير الطريق . إنّ النظريّة بدون تطبيق هي العلم بلا عمل الذي يشبه في الروايات بالشجر بلا ثمر . والتطبيق الأعمى بدون نظريّة محدودة واضحة مدروسة في أبعادها الفكريّة وفي أعماقها هو الذي يمارسه عادةً الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كلّ ناعق . إنّنا بحاجة إلى التوغّل بالبحث العلمي ولكن لا على حساب الواقع وبالابتعاد عن مشاكل الإسلام وآلام الأمّة وآمالها ، لأنّنا دعاة قبل أن نكون علماء ونحن علماء في صفّ الدعوة كما كان الأنبياء والأوصياء ، ونحن بحاجة إلى النظر إلى الواقع وحماية الإسلام في خضمّ هذا المعترك الذي تعيشه الأمّة ولكن لا على حساب العلم وبإلغاء التوسّع في البحث والتعمّق في العمل الشخصي . إنّنا أصحاب نظريّة ولسنا أشخاصاً عمياويّين نريد أن نمارس عملًا غير قائم على أساس من رصيد ، نحن لا نمارس أيّها الإخوة قوانين روائيّة مجمّدة ، بل نمارس نظريّة للحياة ، فيجب أن نكون على صلة وثيقة بالحياة وأن لا ننشئ لأنفسنا عزلة عن العالم الذي نعيشه لكي ينير لنا الجوّ الخالص الفكري ونحن على صعيد الحياة لا نمارس عملًا غوغائيّاً ، بل نحاول تغيير أوضاع الأمّة وإنارة العالم بنور الإسلام ، وهذا ما يجعلنا أحوج ما نكون إلى تفتّح جدّي واستيعاب علمي عميق . إنّنا لا نقرّ بأستاذ القوانين المتقدّم الذكر على تلك الانفصاليّة عن مشاكل الأمّة وأوضاع الإسلام لأنّ هذه الانفصاليّة تجرّد العمل الفكري من إطاره الإسلامي وصلته بالحياة وتجعله مجرّد نظريّات محنّطة وهواية فكريّة . إنّ هذه الانفصاليّة تجعلنا نسير في خطّ المختلسين للعلملا في موقف الأنبياء والأوصياء ، فإنّ الأنبياء والأوصياء الذين كانوا بموكب السماء على وجه الأرض على مرّ الزمن لم يكونوا مختلسين للعلم ولم يجيئوا ويبعثوا مدلّسين في جوامع فكريّة منقطعة ، وإنّما جاؤوا هداة موجّهين للحياة الإنسانيّة وناشرين للنور والهدى والفكر الحيّ في أرجاء العالم ، فلكي نسير في هذا الموكب ونكسب شرف الانتماء إليه يجب أن نكتسب منهم نفس النظرة إلى العالم ونخترع أهدافاً كبيرة وأن نحسّ في أعماقنا أنّنا دعاة قبل كلّ شيء ، وأنّنا علماء لأنّ الدعوة تتطلّب منّا أن نكون علماء . أمّا كيف تتطلّب منّا الدعوة أن نكون علماء وكيف تفرض علينا التوغّل في البحث العلمي ؟ فهذا ما